اسماعيل بن محمد القونوي
435
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
قوله : ( أي الذين لم ينافقوا منهم عاتبين على من نافق ) أي من اليهود أي ضمير قالوا هنا راجع إلى غير المنافقين بقرينة قوله أتحدثونهم وعند قيام القرينة لا ضير في ذكر الضمائر المختلفة المرجع فعلى هذا حمل البعض الذي هو فاعل على غير المنافقين أولى كأنه قيل وإذا خلا بعضهم وهم غير المنافقين من اليهود إلى بعض وهم المنافقون قال غير المنافقين إلى المنافقين ويمكن العكس وهو الأوفق للسوق وأنسب بقوله : وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ [ البقرة : 14 ] الآية ورجحان الأول هنا لكون فاعل الشرط والجزاء متحدين بخلاف الثاني لكن لا يجب الاتحاد فالظاهر الثاني لموافقة قوله المذكور في صدر السورة إذ الخلوة إنما تكون بعد الملاقاة فالملاقون هم المنافقون فهذا هو الملائم للثاني وأما في الأول فيوهم كون غير المنافقين من الملاقين لما عرفت من أن الخلوة إنما تكون بعد الملاقاة فالانتقال من الملاقاة إلى الخلوة شأن المنافقين ولعل لهذا لم يقل المصنف وإذا خلا بعضهم الذين لم ينافقوا كما قال في الكشاف تنبيها على مساغ الاحتمالين قوله عاتبين على من نافق مستفاد من الاستفهام لأنه للإنكار الواقع بمعنى التوبيخ والتقريع فمآله العتاب . قوله : ( بما بين ) اللّه ( لكم ) أي المراد بالفتح البيان لكونه لازما له إذ المعنى الحقيقي للفتح غير متصور هنا فالمراد لازمه والتعبير بالفتح للمبالغة وللإشارة إلى أنه قبل البيان كالشئ المغلوق وبعد البيان كالأمر المفتوح المكشوف حاله وإلى هذا أشار الراغب حيث قال الفتح إزالة الإغلاق وذلك ضربان أحدهما ما يدرك بالبصر كفتح الباب ونحوه وذلك ما يدرك بالبصيرة وذلك ضربان أحدهما في الأمور الدينية كغم يفرح منه كقوله تعالى : فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ [ الأنعام : 44 ] والثاني فتح المستغلق من العلوم من قولك فلان فتح من العلوم بابا مغلقا وفتح عليه كذا أي أعلمه وأوقفه عليه ومن هذا القبيل قوله أَ تُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ [ البقرة : 76 ] انتهى . ولهذا نقل عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما أنه قال بما فتح اللّه عليكم باب العلم بصفة النبي عليه السّلام المبشر به وقيل بما علمكم اللّه من ذلك والمآل واحد ولا يخفى عليك أن ما ذكره الراغب المعنى الأول منه حقيقي والباقي استعارة فتأمل وكن على بصيرة ( في التورية من نعت محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ) . قوله : ( أو الذين نافقوا ) عطف على أي الذين لم ينافقوا أي مرجع ضمير قالوا في قوله : أي الذين لم ينافقوا بيان لفاعل قالوا المراد منه البعض الذين خلوا إلى بعض وأن المراد بالبعض المخلو إليه الذين نافقوا منهم أي وإذا خلا الكافرون الخلص إلى المنافقين منهم ( قالوا لهم أتحدثون ) الآية . قوله : أو الذين نافقوا عطف على قوله الذين لم ينافقوا يعني أو المعنى وإذا خلا الذين نافقوا إلى أعقابهم أي إلى بقاياهم قالوا اتحدثون الخ والحاصل أن أتحدثونهم بما فتح اللّه عليكم أما قول غير المنافقين للمنافقين أو قول المنافقين لغير المنافقين وفي الأول أتحدثونهم بما فتح اللّه لهم بمعنى الحال وفي الثاني بمعنى الاستقبال .